Contact Us | Directions

التوبة والاعتراف

الرب يسوع المسيح هو الذي أسس سر التوبة بعد قيامته من بين الأموات عندما ظهر لتلاميذه وقال لهم : " السلام لكم . كما أرسلني الآب أنا أرسلكم ، ولما قال هذا نفخ فيهم وقال لهم خذوا الروح القدس ، من غفرتم خطاياهم تغفر لهم ومن أمسكتم خطاياهم أمسكت " (يو21:20-23). لقد أعطى الرب الرسل وخلفاءهم سلطانه الإلهي أن يحلّوا ويربطوا الخطايا ، بقوة الروح القدس وفعله ، وقد مارس رعاة الكنيسة هذا السلطان فكانوا يفحصون أحوال الخطأة ويرشدون التائبين " أطلب إليكم أيها الأحباء أن تعترفوا بخطاياكم ما دمتم في الحياة الحاضرة حيث صفح الخطايا الممنوح من الكهنة مقبول ومرضي عند الله أيضا " (كبريانوس ، في الساقطين 29).

أ. التوبة هي سر إلهي يحصل به التائب ، بقوة الروح القدس ، على الصفح عن جميع خطاياه التي اقترفها بعد المعمودية واعترف بها بواسطة الكاهن ، فيتجدد تبريره ويتقدس ثانية ويتصالح مع الله من جديد . لهذا يعتبر سر التوبة بمثابة معمودية ثانية ، أي سر مصالحة الإنسان مع الله بعد المعمودية .

ب. ينتمي الإنسان بالأسرار الثلاثة ، المعمودية والميرون والإفخارستيا ، إلى المسيح وينضم إلى الكنيسة . وهو مدعو أن يفعل انتماءه هذا في حياته ويصل به إلى كماله ، بأن يتحول كيانه كله إلى الله بخلعه المتواصل للإنسان العتيق وثباته في الإنسان الجديد ، حتى يصل بنعمة الله إلى " قامة ملء المسيح "(أف13:4) . ولكنه يسقط بالخطيئة من هذه الدعوة ، ولهذا فكل الذين " لم يحفظوا نعمة الولادة الجديدة (المعمودية) بلا عيب وسقطوا من النعمة الإلهية بسبب خطاياهم ، يستطيعون أن يحصلوا ثانية على رأفة الله ومحبته برجوعهم إلى الكهنة واعترافهم لهم بخطاياهم واستحقاقهم للغفران " (البابا لاون ، الرسالة 32:85) .

ج. في التوبة يتغير الإنسان ويتحول الى الله . ولهذا فالتوبة تخص الذي خطئوا وابتعدوا عن الرب كما تخص كل الذين يعيشون مع الرب . وهي تبقى دعوة قائمة دائمة حتى الموت لكل مؤمن ، لأن الانسان في تحول دائم نحو الله . فالتوبة ليست مجرد ندامة ولكنها شاملة لكل نواحي حياة الإنسان ، وتكون بأن يوطد الإنسان نفسه على أن يخرج من ظلمة الخطيئة الى نور الصلاح ومن ظلمة المخالفة الى طاعة الرب وحفظه وصاياه " من يحبني يحفظ وصاياي "(يو15:14) .

أُسس التوبة ومقوماتها

تقوم التوبة على أُسس ثلاثة :

1. انسحاق القلب . فإن " الحزن الذي بحسب مشيئة الله ينشىء توبة للخلاص لا ندم عليها " (2كور10:7) .

2. إيمان وطيد بالرب ورجاء بتحننه . فإنه " لا يشاء أن يهلك أحد بل أن يقبل الجميع الى التوبة" (2بط9:3) ، وأنه يصير " فرح عظيم في السماء بخاطىء واحد يتوب " (لو7:15) . فالإبن الشاطر ، الذي هو نموذج للساقطين بعد المعمودية ، " بعد أن ذهب إلى أرض غريبة وأدرك بالفعل جسامة شر سقوطه من بيت أبيه عاد إليه . أما أبوه فلم يحقد عليه بل قبله بأيد مفتوحة ... لأنه كان أبا لا حاكما . ولهذا أقام احتفالا عظيما . ولم تكن هذه المكافأة جزاء للشر والخطيئة ، بل مكافأة للعودة والتحول " (الذهبي الفم ، مقالة أولى في التوبة 4) .

3. عزم ثابت على إصلاح السيرة . فإن غفران الخطايا وحده لا يكفي لحصول التائبين على الخلاص بل يجب عليهم أن يصنعوا " ثمارا تليق بالتوبة " (متى 7:3-8) .

أهمية الاعتراف وضرورته

تولّد التوبة في الإنسان الشعور بضرورة الإعتراف والإقرار بخطاياه و " إذا اعترفنا بخطايانا فهو (الله) أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ، ويطهرنا من كل إثم " (1يو9:1) . فالإعتراف يبتدىء توبة عميقة داخل الإنسان ، وينتهي إقراراً صادقاً بالخطايا ، ويكتمل إصلاحاً جاداً للسيرة " تعالوا نتحاجج يقول الرب . إنه ولو كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج ، ولو كانت حمراء كصبغ الدود تصير كالصوف " (إشع18:1) .

أ . الخطيئة ُتبعد الإنسان عن الله وعن ذاته وكذلك عن الكنيسة . لهذا فإن فعل المصالحة الحاصل بالتوبة يجب أن يتم أيضا في شركة الكنيسة . فهو إذا ، ليس عملا فرديا فحسب يقوم به المؤمن تجاه نفسه ، ولكنه كسائر الأسرار ، عمل يتم في شركة الكنيسة التي يمثلها الكاهن. لذلك وجب أن يكون الإعتراف أمام الكاهن الذي تؤهله الكنيسة لاقتبال إعترافات المؤمنين .

ب.بالاعتراف أمام الكاهن تتحقق الغاية الأساسية من الاعتراف ، لأن التائب :

1- ينال مغفرة خطاياه على يد الكاهن المُعرف . وهكذا فإن التائب يتحول من إنسان أبعدته الخطيئة عن الله إلى إنسان حوّلته التوبة إلى الله .

2- يتصالح مع الكنيسة . لأن الخطيئة التي تُبعد الإنسان عن الله تبعده عن الكنيسة .

3- يتجه إلى إصلاح ذاته بواسطة ما يفرضه عليه الأب المعرف وبالإرشادات التي يتلقاها منه.

كيفية الاعتراف

أ. يلجأ بعض المؤمنين إلى بديل عن الإعتراف . فمنهم مثلا من يطلب من الكاهن حلّ الخطايا (الصلاة على الرأس) قبل المناول ، ومنهم من يكتفي بترديد صلاة الاعتراف " أومن يارب وأعترف .. " التي يتلوها بعض الكهنة في القداس الإلهي مباشرة قبل المناولة . إن الاعتراف الحقيقي الصحيح ليس هذه ولا تلك . لأنه كيف يحل كاهن خطيئة لم يعترف بها أمامه . وحتى إذا تعذّر وجود أب الاعتراف ، فإن ذلك لا يعني أن اللجوء إلى الوسائل المذكورة سابقا يكون بديلا عن الاعتراف .

ب. الاعتراف الصحيح في الكنيسة هو الاعتراف الفردي الصادق أمام الكاهن . وفيه يقر التائب بخطاياه جميعها ويفتح قلبه ويكشف أفكاره ليرتاح ويحصل على الإرشادات الروحية والتوجيهات التي تدله على كيفي التغلب على خطاياه ، فينال حل الخطايا على يد الكاهن .

ج. قد يمنح الحل من الخطايا بشكل جماعي لعدة معترفين دون أن يسبق ذلك اعتراف فردي ، إذا لم يتوفر لك واحد منهم أن يعترف بشكل فردي . لكنه في كل الأحوال يبقى على المؤمن أن يسعى إلى الإعتراف المنفرد في الوقت الملائم . ويستثنى الذين هم في خطر الموت ، فهؤلاء هم عاجزون عن الاعتراف . لذلك يمنحهم الكاهن الحل من خطاياهم ويناولهم جسد الرب ودمه الكريمين دونما تردد .

الأساقفة والكهنة وحدهم يمنحون حل الخطايا للمؤمنين التائبين .

أ . لكي يتقبل الكاهن اعترافات المؤمنين ويحلهم من خطاياهم ، يجب أن يحصل على إذن خاص من أسقفه .

ب . يمنح الأسقف المحلي صلاحية تقبل الاعتراف وحل الخطايا لكهنة أبرشيته في الكنيسة خلال إحدى الخدم الليتورجية بحضور جماعة المؤمنين وبقراءة الصلاة الخاصة بذلك . وقد درجت العادة ، في الكرسي الأنطاكي ، أن يعطى الكاهن المخول بهذه الصلاحية " الحجر " دلالة على ذلك .

يستطيع كل كاهن ، بحكم رتبته ، أن يحل من الخطايا جميع المؤمنين التائبين الذين في خطر الموت . إذا لجأ مؤمن إلى راهب غير مشرطن للإسترشاد به يبقى عليه أن يطلب الحل من خطاياه من الكاهن .

التوقيف عن إتمام السر

أ. يستطيع الأسقف ، لسبب خطير ، أن يوقف أحد الكهنة عن ممارسة الأسرار الإلهية بما فيها سر التوبة .

ب . إذا تمَّ توقيف الكاهن عن ممارسة الاعتراف وحل الخطايا من الأسقف المحلي المذكور سابقا امتناع الكاهن عن ممارسة السر بالكلية . أما إذا كان توقيفه من قبل سلطة أخرى ذات صلاحية في غير أبرشيته ، فيكون امتناعه عنه في ولاية هذه الأبرشية فقط دون سواها .

فروض التوبة وقوانين التائبين

أ. بعد أن يسمع المعرف للمعترف ويجد الضرورة لإعطائه توجيهات روحية وبرنامجا عمليا لكي يطبقهما في حياته الخاصة ، يحدد له ما هو ملائم من صوم وصلاة ومطالعات روحية وأعمال الرحمة المسيحية كالإحسان وغيره .

ب . على المعرف أن يتحلى بالحكمة والتمييز الإلهيين ، فيقدّر نوع الخطايا وأهميتها وكذلك حالة المعترف واستعداده للتوبة ليقدم له ، وهو الطبيب الروحي ، الإرشادات التي تدفعه في طريق القداسة . " يجدر بالذين نالوا من الله سلطان الحل والربط أن يفحصوا ماهية الخطيئة واستعداد الخاطىء للرجوع ، وأن يستعملوا الدواء النافع لكل مرض ... لأن أمراض الخطيئة مستعصية ومتعددة الأنواع .. لأن غاية الله من الذي ائتمن على سلطة الرعاية هو أن يرد الخروف الضال ويشفيه ... وعلى كل حال ، على الراعي أن يحارب المرض وأن يجاهد ليشفي جرح التائب باختباره ثمار التوبة وبحسن درايته ليقوده إلى الاستنارة العلوية " (القانون 102 للمجمع الخامس - السادس) .

ج. فروض التوبة ليست عقابا يقتضيه العدل الإلهي ، بل هي تأديب أبوي للتائب أوله مؤلم لكن آخره فرح عظيم ، وهي أيضا وسيلة تحصن باقي المؤمنين من السقوط . " يا بني لا تحتقر تأديب الرب ولا تتهاون إذا وبخك ، لأن الذي يحبه الرب يؤدبه . إن كنتم تحتملون التأديب يعاملكم الله كالبنين ، وأي ابن لا يؤدبه أبوه ... أفلا نخضع بالحري لأبي الأرواح فنحيا . وأما (الله) فأدبنا لأجل المنفعة لكي نشترك في قداسته . لا جرم أن كل تأديب لا يظن في وقته للفرح بل للحزن ، إلا أنه فيما بعد يعطي الذين يتدربون به ثمر بر للسلام " (عب5:12-11) .

ممارسة الاعتراف

أ. يتقبل سر التوبة المسيحيون الذين تطهروا بالمعمودية والميرون والافخارستيا .

ب. يتقدم المؤمنون إلى سر التوبة كلما دعتهم الحاجة . ومن المفضل أن يعترف المؤمن دوريا وبخاصة خلال الأصوام ولا سيما خلال الصوم الأربعيني .

ج. يهيء المؤمن نفسه لتقبل المناولة بالاعتراف أيضا .إن البعض " قبل أن يتوبوا عن خطاياهم بانسحاق قلب وبساطة ، وقبل أن يعترفوا أمام كهنة الله العلي ويطهروا ضميرهم ويطلبوا من الكهنة علاجات خلاصية لجراحهم الروحية يتجاسرون بلا خجل أن يشتركوا بجسد الرب ودمه فأطلب إليكم أيها الأحباء أن تعترفوا بخطاياكم " (كبريانوس ، في الساقطين 28) . لهذا ينصح المؤمنون بالاعتراف بانسحاق وتوبة قبل التقدم إلى المناولة المقدسة ، عندما تدعو الحاجة إلى ذلك . على المؤتمنين على رعاية النفوس وتقبل اعترافات المؤمنين توفير فرص الإقبال على الاعتراف الفردي لهم وتخصيص الأوقات اللازمة لذلك .

الاستعداد للاعتراف

أ. يهيء المؤمن نفسه للاعتراف بالصلاة والصوم والمطالعة الروحية وكذلك بتفحص ذاته بجد ودقة . والمهم أن يتقدم المؤمن إلى الاعتراف بروح التوبة والرجاء والتصميم على إصلاح سيرته بنعمة الله .

ب . تحتل معرفة الذات مكانة بارزة في نمو الإنسان الروحي ومسيرته نحو قامة ملء الميح . لهذا يحث المؤمنون على استخدام الوسائل الروحية كافة التي تساعدهم على معرفة ذواتهم .

سرية الاعتراف

لا يُفشى بالاعتراف أبدا . ولهذا لا يحق للمعرف أن يعلن أي شيء من المعلومات التي تأتيه من اعترافات المؤمنين . كما لا يحق له أبدا استعمال مثل هذه المعلومات استعمالا يسيء إلى المعترف ، أيا كان السبب . وإن القوانين الكنسية تحرم أي كاهن يبوح بسر الاعتراف في أي ظرف من الظروف . كما أنه لا يحق له أن يدلي بأية معلومة سلمت إليه خارج الاعتراف بوصفه كاهنا .

مكان تتميم سر التوبة

الاعتراف في الحال الطبيعية يتم في الكنيسة . أما في حال المرض أو سواها من الحالات الصوابية فيتم خارج الكنيسة أو مكان وجود طالب الاعتراف .