Contact Us | Directions

أين وكيف يمكن ان نستقبل ميلاد السيد المسيح

مقدمة عن الميلاد

المسيح ولد فمجدوه. المسيح أتى من السماوات فاستقبلوه. المسيح على الأرض فارفعوه. رتّلي للرب أيتها الأرض كلّها ويا شعوب سبّحوه بابتهاج لأنه قد تمجد.

المسيح في الجسد فابتهجوا: "يا جميع الأمم صفقوا بأكفكم وهللوا لله بصوت الترنم" (مز46: 1) "لأنه ولد لنا ولد، وأُعطينا ابناً، وتكون الرئاسة فوق منكبه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلها جباراً أبا الأبد رئيس السلام" ( أشعياء9: 6). به يبتدئ الكيان ويخلق غير المخلوق. فيا لها من محبة للبشر لا توصف يظهرها السيد. إن المولود منذ الأزل بلا أم يولد ثانية بلا أب. إن ابن الله يصير ابن البشر من أجلنا، نحن الساقطين من السعادة بسبب الخطيئة ليعيدنا إلى الحالة الأولى بواسطة تجسده. فالغني يفتقر إلى جسدي لأغنى أنا بألوهيته، والكامل يضعف في المجد لأشاركه في كماله. فيا له من سر لا يوصف.

إني حصلت على صورة الله ولم أحافظ عليها. فالسيد يأخذ جسدي لينقذ الصورة ويجعل الجسد خالداً. إن الضابط الكل يدخل ثانية معنا في الشركة بصورة أعجب من الأولى، لأنه وهبنا الأحسن، أمّا الآن فيأخذ الأسوأ، ولكن هذا الأخير أشد ارتباطا بالله من الأول وأكثر علواً للعقل. فحفلتنا عظيمة جداً لأننا نعيد اليوم لمجيء الرب إلى البشر. الرب الذي أرجعنا إلى الله. "فلنطرح الإنسان العتيق ولنتشح بالجديد" (افسس4: 22و23) "وكما أننا متنا بآدم كذلك سنحيا بالمسيح" (كورنثوس الاولى15: 22) بالمسيح يولد ويتجدد المصلوبون والمدفونون والأحياء لأنه لا بد لنا من أن نحتمل هذا الانقلاب الخلاصي حتى ينتج الحزن من السرور فينقلب الحال، ونرى السرور من الحزن لأنه "حيث تكثر الخطيئة تزيد النعمة أكثر" ( رومية5: 20) فإن كانت اللذة قد جلبت الدينونة فإن آلام المخلص قد حققت تبريرنا.

كيف يجب علينا أن نستقبل عيد ميلاد السيد المسيح

يكون الفرح عظيماً وعدد الجموع كثيراً حينما يُعيّد لميلاد ملك أرضي. الجنود والقواد يرتدون أفخر الحلل ليسرعوا ويقفوا أمام مليكهم. تعلم الرعية أن سرور الملك يزداد برؤيته الزينة الخاصة، وفرحها الظاهر، فتضاعف اجتهادها أثناء الحفلة. ولكن الملك كإنسان لا يعرف مكنونات القلوب، فيحكم بما يشاهده فقط، على مقدار محبة الرعية له. فمن أحبّ ملكه ارتدى أفخر الثياب. أضِف إلى ذلك أن الملك يوزّع هبات كثيرة على الأمراء والأخوة الصغار. ولذلك يجتهد المقربون إليه أن يملأوا الخزائن بالثروات الطائلة ليكون لهم نصيب منها. هكذا، أيها الأخوة، يستقبل أبناء هذا العصر ميلاد ملكهم الأرضي، بالاستعداد اللائق، ابتغاء شرف وقتي. فكيف يجب علينا نحن أن نستقبل يوم ميلاد الملك السماوي الذي لا يعطينا الجائزة المؤقتة فحسب، بل المجد الأبدي، ويجعلنا مستحقين، لا الشرف من الرئاسة الأرضية التي تنتقل من السلف إلى الخلف، بل الملكوت السماوي الذي لا خلف له. أمّا الوحي الإلهي فيقول عن العطاء المعد لنا : "لم تره عين ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه" ( أشعياء 64: 4 وكورنثوس2: 9 ) فما هي الحلل التي نرتديها لنزين نفوسنا؟ إنّ ملك الملوك لا يطلب الحلل الفاخرة، بل نفوساً مخلصة. لا ينظر إلى زينة الجسد، بل إلى القلوب التي تخدمه. لا يدهش للمعان المنطقة الفانية التي يتمنطق بها على الحقوين، بل يبتهج بالعفاف المصون الذي يتغلّب على كل شهوة مخزية. فلنسرع إلى الملك السماوي متمنطقين بالايمان متّشحين بالرحمة.

من أحب الإله، فليزين نفسه بحفظ وصاياه، ليرى إيماننا الحقيقي به، فيسر بنا كثيراً، إذ يرى طهارتنا الروحية. فلنصن قلوبنا بالعفاف قبل كل شيء، ولنقدس أرواحنا، ولنستقبل مجيء السيد القدوس المولود من العذراء الفائقة الطهارة. ولنكن نحن عبيداً أنقياء، لأن من يظهر دنساً في ذلك اليوم فهو لا يحترم ميلاد المسيح بل يحضر إلى حفلة السيد بالجسد، وأما روحه فتبقى بعيدة عن المخلص، لأن الرجس لا يشترك مع القديسين، ولا البخيل مع الكريم الرحيم، ولا الفاسد مع البتولي. الإنسان المذكور في الانجيل الذي تجاسر أن يدخل إلى وليمة العرس، وهو غير لابس حلة العرس، في حين أن أحد المتكئين كان يتلألأ بالعدل، والآخر بالإيمان، والثالث بالعفاف، خلافاً له، لأنه لم يكن نقي الضمير فنبه الحاضرين لينفروا منه؛ وكانت تظهر رجاسته كلما اشتد بهاء الصديقين المتكئين في عشاء العرس لذلك أمسكه خدام الملك بيديه ورجليه وذهبوا به وطرحوه في الظلمة الخارجية، لا لأنه كان خاطئاً بل لأنه خصَّ نفسه بالجائزة المعدة للابرار ( متى11:22-13). وعليه لنطهّر ذواتنا من أدران الخطيئة مستقبلين ميلاد سيدنا، لنملأ خزائنه بالهدايا المتنوعة ونخفف في ذلك اليوم همّ الحزانى ونعزي الباكين، فلا يحسن أن نرى عبيد السيد الواحد، واحداً مسروراً مرتدياً حلة فاخرة، وآخراً بائساً يرتدي ثيابا بالية. الواحد مفعم بألوان الطعام والآخر يتضوّر جوعاً. وما تأثير صلاتنا حينما نطلب قائلين: نجنا من الشرير، ونحن لا نريد أن نرحم إخوتنا.

فإذا كانت مشيئة الرب تريد أن تعطي نصيباً للفقراء في النعمة السماوية، فلماذا لا ندعهم يشتركون معنا في الخيرات الأرضية ؟ نعم: لا يجوز للإخوة في الأسرار أن يكونوا غرباء، الواحد عن الآخر بسبب المقتنيات. إننا نكسب شفعاء لنا لدى السيد عندما نطعم على نفقتنا الذين يقدمون الشكر لله. فإذا مجّد الفقير الله يجلب نفعاً لذلك الذي بإحسانه مجّد الله.

إن الكتاب المقدس ينذر بالويل الإنسان الذي يكون واسطة للتجديف على اسم الله، ويعد بالسلام، من يكون سبباً لتمجيد اسم الله. إن المحسن يعطي الحسنات وحده فيتوسل بذلك إلى الله بأفواه عديدة، ويحصل على ما لم يجسر أن يطلبه من الآب السماوي، وينال ما يريده بشفاعة الذين أحسن إليهم، كما يقول الرسول المغبوط، ممجداً هذه المساعدة: "بمعونة دعائكم لنا حتى ان كثيرين يؤدون الشكر على الموهبة التي لنا بواسطة كثيرين" (2كورنثوس 11:1) وفي محل آخر: "حتى يكون قربان الأمم مقبولاً ومقدساً بالروح القدس" ( رومية16:15 )

أين وكيف يمكن ان نستقبلة

إن السيد لا يقطن حيث يسود هيرودس وأمثاله الذين لا يخافون من إهلاك النفوس وإهراق الدماء لأجل مجد وقتي. حقيقة راهنة يعرفها الجميع وهي أن المقارِن بالمقارَن يقتدي. الفقير يصادق الفقير، والغني الغني، والشريف الشريف. فكما أن السواد لا يشبه البياض، والحلو لا يتفق مع المر، والظلام لا يليق بالنور، هكذا المخلص، مع كل تواضع قلبه، ليس له مكان حيث ترتفع القلوب المتعجرفة. الحقيقة الأزلية لا تساكن الخداع المراوغ الذي يعطي الحلاوة من طرف لسانه ويروغ منك كما يروغ الثعلب، والمرارة تملأ قلبه؛ يُعد السلام بالأقوال، ويهىء الحسام بالأفعال، يقترب منك باللسان، ويبتعد عنك بالجنان، يحييك بالشفتين ويقبلك، وبالفعل يشاور عن ثمنك معدّاًً إياك للصليب. إن ابن الله يبتعد عن تلك الأمكنة حيث يحسبون إنجيله المفرح اختلاقاً، وكنيسته الأبدية أحلاماً، حيث لا يعتبرون الخطيئة شيئاً شائناًً، بل يكرزون قائلين: "يا نفسي استريحي وكلي واشربي وتنعمي" (لوقا19:12).

إننا لا نجد الله الإنسان هناك حيث يعيش البغض والحسد والظلال: لأنه لا إشراك للنور مع الظلمة، وللمسيح مع رئيس الشياطين. فعبثاًً نفتّش عن السيد المسيح في تلك الأماكن حتى لا نسمع ما قيل للنسوة حاملات الطيب: لماذا تطلبن الحي بين الأموات ؟ لأنهم أموات لا في القبور بل خارجها، لأنهم يمشون بإحدى أرجلهم على الأرض، وبالأحرى لدى أبواب الجحيم. ولذلك نسمع السيد يهتف بنا قائلاًً: "حيثما اجتمع اثنان او ثلاثة باسمي فأنا أكون في وسطهم" (متى18: 20). إن الكثيرين يجتمعون ولكن ليس باسم المسيح. لقد اجتمع قديماًً هيرودس وبيلاطس واتفقا على إهانة الله الانسان وقتله. والآن يجتمع الزاني والزانية والمحتال واللص مع اللص والسكير مع السكير لا باسم السيد، بل على السيد، لأن المسيح لا يكون إلا حيث الاجتماع باسمه، ولا يسكن الفادي الإلهي إلا حيث تسكن المحبة المسيحية. والمحبة المسيحية حسب تعليم رسول المسيح هي التي "تتأنّى وترفق ولا تحسد ولا تتباهى ولا تنتفخ ولا تأتي قباحة ولا تلتمس ما هو لها ولا تحتد ولا تظن السوء ولا تفرح بالظلم بل تفرح بالحق وتحتمل كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء. المحبة لا تسقط ابداً" (كورنثوس الأولى13: 4-8). فها نحن قد وجدنا السيد المسيح، أي في وسط المحبة المسيحية.

والآن، يبقى لنا شيء واحد، وهو كيف نستدعي السيد إلى بيتنا؟ إنه وادع متواضع قد زار العشارين، وسكن قبلاًً جوف العذراء، ولم يأنف المذود من أجلنا. وكرحيم ومحب للبشر لا يكره الدخول الى كوخنا الحقير، ولا يرفض طلبنا. فلنسجد للمسيح المخلص كما سجد المجوس. لنسجد له لا مقمطاًً بأقمطة بل جالساًً على عرش المجد مع الآب والروح القدس ولنقدم للمولود بلا زرع التوسلات الصادرة من قلب منكسر، بدلاًً من الذهب واللبان والمر. وبما أن السيد المسيح يرتاح في المحبة المسيحية، فلنسّيج ذواتنا بها، لنطعم الجائع، لنسقِ الظمآن، لنكسُ العريان، لنأوِ الغريب، ولنَعُد المريض، ونظهر الرحمة للسجين وبالاختصار لنحب قريبنا كنفسنا، ثم لنبادر بتواضع الى المولود من العذراء بالتوسلات الآتية: يا ابن الله إنك جئت إلى الارض من أجلنا، ضعفت مع الضعيف وافتقرت مع الفقراء وبكيت مع الباكين. وبعد هذا تألمت وحدك على الصليب. وبهذا جئت بنا إلى أبيك الأزلي لأنك أنت سيدنا. جئت إلينا بنفسك نحن عبيدك بهيئة عبد، لأننا لم نقدر أن نذهب إليك. انك أنت أعطيتنا الدالة، فلا تحتقر تعاستنا؛ وإذ نحن عاجزون نقدم لك والدتك الكلية الطهارة التي اخترتها من بين الجنس البشري كله كهدية مناسبة. فبشفاعاتها ارحمنا بنعمتك. جدد بناء هيكل نفسك المتهدم: قلبا نقياًً اخلق فيَّ يا الله وروحاًً مستقيماًً جدد في أحشائي. تعالى واسكن فيَّ وأملك فينا وعلينا .