Contact Us | Directions

الحاجة الى الإنتماء - بقلم نيافة الأنبا موسى

الحاجة الى الإنتماء

 

بقلم نيافة  الأنبا موسى

 

إذا كانت "المالتيميديا" قادرة على "تذويب هوية" أجيالنا الصاعدة، فمن المهم – إذن – أن نثبِّت لديهم "روح الانتماء"... وبخاصة أن "الحاجة إلى الانتماء" هى احتياج روحى، ونفسى، واجتماعى...

 
1- الانتماء.. حاجة روحية :
فالإنسان المسيحى هو "عضو" فى جماعة، أو "عضو" فى جسد مقدس، الكنيسة، جسد المسيح، والمسيح هو رأس هذا الجسد! والعضو يشعر بانتماء طبيعى وعميق وجوهرى إلى الجسد، إلى رأس الجسد: السيد المسيح، وإلى أعضاء الجسد: المؤمنين على الأرض، والقديسين فى السماء.

هذا الانتماء الثلاثى : إلى السيد المسيح... رأس الجسد.?  وإلى المؤمنين به... الكنيسة المجاهدة على الأرض.?  وإلى القديسين... الكنيسة المنتصرة فى السماء.?

يحقق هذا الانتماء إشباعاً روحياً ممتازاً. وذلك من خلال :

 العشرة مع الرب يسوع: فى الصلاة والإنجيل والتناول.?  التشفع بالقديسين: إذ تقتدر صلواتهم فى فعلها وتسندنا.?  التفاعل مع بقية أعضاء الجسد، فى شركة روحية، واهتمام بالأعضاء المحتاجة? والجريحة.

2- الانتماء... حاجة نفسية :

فإن كان الجهاز النفسى لدينا يتكون من:  عناصر وراثية: موجودة فينا منذ الولادة مثل:l  الغرائز: الجوع والعطش والخوف وحب الحياة والجنس وحب الاستطلاع وحبl الاقتناء... الخ.  الحاجات النفسية: كالحاجة إلى الحب، والأمن، والنجاح، والانتماء، والخصوصية،l والمرجعية... الخ. فالانتماء يقع ضمن الاحتياجات النفسية التى ولدنا بها، والتى يستحيل الوصول إلى السلام النفسى، والشعور بالسعادة بدون تحقيقها! الانتماء يعطى النفس إحساساً بالطمأنينة والإشباع والاعتزاز والراحة.

3 - الانتماء... حاجة اجتماعية :

فالإنسان كائن منتمى، أى أنه لا يكون سعيداً بالعزلة أو الوحدة أو الاغتراب... بل يستريح حينما يحس بدوائر متوالية ومتتالية من الانتماء الاجتماعى مثل: 1- الانتماء العائلى: إلى أسرة معينة. 2- الانتماء الكنسى: إلى كنيستنا القبطية مثلاً. 3- الانتماء المسيحى: إلى الديانة المسيحية بطوائفها المتعددة. - الانتماء المصرى: إلى الوطن الحبيب الذى يعيش فينا. 5- الانتماء الإقليمى: إلى العالم العربى بثقافته المشتركة ومصيره الواحد. 6- الانتماء الإنسانى: إلى الإنسانية جمعاء، بهمومها المشتركة وانجازاتها العالية.

ملامح هويتى

لاشك أننا بحاجة إلى تثبيت أجيالنا الصاعدة فى "هوية محددة" تميزنا عن غيرنا، دون انعزال مريض ومنغلق، ذوبان مرفوض فيه الضياع:

1- أنا مسيحى

وهذا الإيمان – المسجل فى قانون الإيمان المشترك – تؤمن به جميع الكنائس المسيحية، مع خلافات قليلة مع الكنائس التقليدية كالكاثوليك والأرثوذكس البيزنطيون وأكثر منها مع الكنائس البروستانتية. وهناك حوار لاهوتى مستمر بين الطوائف الثلاثة، يحتاج إلى وقت طبعاً، لكن لا خلاف إطلاقاً على إيماننا الواحد بالسيد المسيح. أدعياء المسيحية مثل الأدفنتست وشهود يهوه والمورمون، ممن لا نؤمن أنهم مسيحيون من الأساس.  أما المسيحيون مؤمنون بالرب يسوع إلهاً متجسداً، وفادياً، وقائماً من الأموات، وصاعداً إلى السموات، ومؤسساً بالروح القدس للكنيسة، وواضعاً فيها أسرار الخلاص، ثم آتياً فى مجده، فى المجئ الثانى، ليأخذنا إليه، لنحيا معه إلى الأبد فى ملكوته.. وهذا ما نهتف به كل يوم قى قانون الإيمان.

2- أنا أرثوذكسى

أى أنتمى إلى مجموعة الكنائس الأرثوذكسية الشرقية (7 كنائس)، وأيضاً مجموعة الكنائس البيزنطية الخلقيدونية (15 كنيسة)... تضم أكثر من 300 مليون نسمة: المجموعة الأولى هى:  الكنيسة السريانية الأرثوذكسية.l الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. l  الكنيسة الهندية الأرثوذكسية.l الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية. l  الكنيسة الإريترية الأرثوذكسية.l الكنيسة الأثيوبية الأرثوذكسية. l والمجموعة الثانية مثل:  الكنيسة الروسية الأرثوذكسية.l الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية. l  الكنيسة الفنلندية الأرثوذكسية.l الكنيسة الصربية الأرثوذكسية. l  الكنيسة التشيكية الأرثوذكسية.l الكنيسة الرومانية الأرثوذكسية. l  الكنيسة السلافية الأرثوذكسية.l  جميع هذه الكنائس تتفق فى أمور كثيرة مثل:?  لديها تسلسل رسولى.l أنها كنائس رسولية. l  وأسرار مقدسة.l وتقليد أرثوذكسى. l  وكهنوت شرعى.l وشفاعة قديسين. l قد نختلف فى تعبيرنا عن طبيعة السيد المسيح له المجد، ولكننا نتفق فى المحتوى? الحقيقى لهذه العقيدة (الكريستولوجي)... وحينما التقى نيافة الأنبا شنوده أسقف التعليم (المتنيح قداسة البابا شنوده ) بأخوتنا قال لهم: "دعونا نترك التعبيرات اليونانية القديمة ونكتب إيماننا باللغة الإنجليزية، ونرى هل هناك فرق؟". وحينما كتب قداسته إيماننا فى سطور بالإنجليزية، وافق عليها الجميع، وبدأ حوار لاهوتى رسمى، الأمور اللاهوتية والرعوية، تمهيداً لرفع الحروم، وشركة الإيمان والصلاة والتناول. والجميل أن الصيغة التى تصالح الجميع عليها، كانت من وضع القديس كيرلس الإسكندرى عامود الدين، وتدعى الـ"Cyrtillian Formula" أى "الصيغة كيرلسى" أو ويقصدون بالطبع البابا كيرلس عامود الدين. ونحن نصلى أن يكتمل هذا الاتفاق لنكون جميعاً، كنيسة أرثوذكسية واحدة.

3- أنا قــبطــى

أى أننى أنتمى إلى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بتاريخها المجيد: الكنسى والوطنى. فالكنيسة القبطية الأرثوذكسية هى: 1- كنيسة اللاهوت: فآباؤها دافعوا عن الإيمان المسيحى المستقيم، لدرجة أن دُعى البابا أثناسيوس: "حامى الإيمان القويم" و"الرسولي"... ودُعى البابا كيرلس: "عامود الدين"، والبابا ديسقوروس: "بطل الأرثوكسية". ومازالت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى عهد البابا شنوده الثالث، ذات ريادة واضحة فى علوم اللاهوت المسيحية، المستندة إلى فكر وأقوال الآباء القديسين. 2- كنيسة الشهداء: فهى الكنيسة التى قدمت آلاف الشهداء فى تاريخها كله... إنها الكنيسة الوحيدة التى لها "تقويم شهداء" (ش) يبدأ سنة 284 ميلادية، سنة اعتلاء دقلديانوس كرسى الحكم، وهو الذى قتل أكبر عدد من المسيحيين فى ذلك الزمان. 3- كنيسة الرهبنة: فهى كنيسة القديس أنطونيوس "أب جميع الرهبان"... والذى يعتبره رهبان الكنائس الأخرى أباً لهم أيضاً. فحينما دوَّن البابا أثناسيوس الرسولى سيرة القديس الأنبا أنطونيوس، بينما كان منفياً فى وسط أوروبا (غالياً)، قرأ الكثيرون هذه السيرة العطرة، وسلكوا طريق الرهبنة، ومن بينهم أغسطينوس الذى تأثر بسيرة الأنبا أنطونيوس، فتاب، واعتمد، وترهب... 4- كنيسة الكرازة: فكنيستنا كرزت بالمسيح:  شمالاً: إلى فلسطين وتركيا.l شرقاً: إلى الهند على يد "بانتينوس". l  غرباً: إلى سويسرا وأيرلندا.l جنوباً: إلى إريتريا وأثيوبيا. l وحتى الآن هناك أكثر من 2000 مؤسسة فى أوروبا، باسم القديس موريس (أو موريتيوس)... كما يرتفع تمثال القديسة فيرينا فى سماء سويسرا، ويحمل ختم أيرلندا صور الرهبان الأقباط الذين حملوا إلى شعبها بشارة المسيح.

4- أنا مصرى

 يسرى فينا دم الآباء الفراعنة بأمجادهم العريقة، وقد اشتهروا بالتوحيدl والحكمة والفلك والطب والكيمياء والهندسة... ونحمل رقائق ثقافات متتالية تعاقبت على مصر: قبطية، ويونانية، ورومانية،l وعربية...  ونسعى كسفراء عن مصر فى كل مكان نذهب إليه... وها العالم يشهد لرموزl مرموقة مثل: - د. مجدى يعقوب. - د. أحمد زويل. - د. فاروق الباز. - م. إبراهيم سمك. - م. مينا عازر.  ومصر هى أكبر دولة عربية، وتتسم فى سياستها بالحكمة والاعتدال، وترفض الإرهابl والعنف، بسبب ما فى أعماقها من حكمة قديمة، وإنسانية ممتازة، وحضارة عريقة، وهذا ما بدأ واضحاً فى ثورة 25يناير التى كانت مثار إعجاب العالم كله.  كما أن مصر تعرف وطنية كنيستها القبطية، التى حملت الهوية الوطنية المصرية فىl وجه المستعمر الرومانى (حتى لو كان مسيحياً) ثم الفرنسى والإنجليزى والإسرائيلى... وأقباط مصر اشتركوا مع أخوتهم المسلمين فى كل حروب التحرير، بوطنية صادقة، بدءاً من حروب الفرنجة (المعروفة خطأ بالحروب الصليبية، والصليب منها براء)... لدرجة أن صلاح الدين الأيوبى أهداها ديراً فى القدس يدعى "دير السلطان" نسبة إلى صلاح الدين!! ومعروف أن قائد الجيش الثانى فى حرب أكتوبر 1973 كان اللواء فؤاد عزيز غالى، محرر شمال سيناء... وأن لواءً مسيحياً هو صاحب فكرة اختراق السد الترابى بخراطيم المياه على شاطئ سيناء... الخ. أن الكنيسة القبطية كانت - على مر العصور - حصن الوطنية الصادق إذ أنها على مدى تاريخها رفضت المستعمر المحتل، سواء كان اليونانيون أو الفرنسيون أو الانجليز أو الإسرائيليين، وقد دافع الأقباط عبر التاريخ عن وطنهم مصر، جنباً إلى جنب مع أخوتهم المسلمين.

5- أنا إنـســان

انتمى إلى البشرية جمعاء، فى كل أنحاء العالم... ولذلك لا ننعزل عن وسائل العصر من انترنت وفضائيات وتفاعل اجتماعى دولى... والإنسان المسيحى يحسّ بالقلق والحزن بسبب الحروب، والكوارث الطبيعية، والأمراض، والصراعات الدموية فى كل مكان... فالضحايا هم بشر أحباء، من حقهم أن يعيشوا فى سلام ورخاء.. لا يعزل نفسه عن تسونامى أندونيسيا واليابان، ولا عن زلزال هايتى وشيلى،، ولا مجاعة أثيوبيا... فالمسيحى الحقيقى يحسّ بآلام أخوته فى الإنسانية، ويجتهد فى خدمتهم. وما أجمل تلك المنظمات الإنسانية، التى نراها تهرع إلى المنكوبين فى كل مكان بالأغطية، والخيام، والأدوية، والأغذية... والكثير منها يحمل الهوية المسيحية (كالصليب الأحمر وغيرها)... فهذه هى المسيحية العملية التى أوصانا عليها السيد المسيح، فالعمل الإنسانى يجب أن يرتفع فوق كل انتماء آخر: عرقى أو قومى أو دينى، ليخدم الإنسان: كل إنسان، وكل الإنسان، روحاً وعقلاً ونفساً وجسداً.


هذه هى دوائر إنتماء الإنسان المسيحى، كما علمنا إياها الكتاب المقدسة والكنيسة المجيدة.